واصف جوهرية
مقدمة 31
القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية
ولاحقا ، كان واصف يلتقي بديعة بصورة شخصية في حفلات حميمة في قصور أعيان القدس ، مثل فخري النشاشيبي ، ومصطفى الجبشه ، أو في فندق سانت جون الذي كان يملكه حماه . وفي إحدى المناسبات ، رافق واصف بديعة على عوده في حفلة امتدت طوال الليل ، ابتدأت في مقهى جوهرية ، واستمرت في بيت والده - وهي ليلة احتفظ بسجل فوتوغرافي لها لولعه بها . وكانت بديعة واحدة من عدة فنانين مصريين ولبنانيين ممن أقام واصف علاقات بهم ، بمن فيهم سلامة حجازي ، وداود حسني ، والشيخ يوسف المنيلاوي . وقد أصبح كثيرون من هؤلاء المغنين يتمتعون بشعبية في فلسطين مع استيراد الآلات الموسيقية الجديدة : بداية ، آلة التسجيل الشمعي الأسطوانية ، ومن ثم الغراموفون المسيّر يدويا ، الذي يوضع عليه الأسطوانات البلاستيكية ذات ال 78 دورة في الدقيقة ، والتي يشير إليها باسم فونوغرافات إديسون . وعند بداية الحرب العالمية الأولى ، كان في القدس عشر آلات كهذه فقط ، ثمن كل واحدة منها نحو 25 جنيها فرنسيا - وهي ثروة صغيرة في تلك الأيام ، الأمر الذي يجعل الحصول عليها مقصورا على عدد قليل من المقتدرين . « 1 » وخلال الحرب ، بدأ عدد من مقاهي القدس يجذب الزبائن عبر شراء فونوغرافات وعزف قطع مختارة بحسب الطلب . وهب واصف صوتا رائعا جعله مطلوبا كثيرا للأداء في الأعراس ، حتى وهو في سن المراهقة . لكن حبه الأبدي كان للعود ، الذي بحلول سنة 1918 كان أتقنه إلى الحد الذي جعله أكثر العازفين المنشودين في فلسطين ، أو هكذا يدّعي . وكان يعزف العود لأبناء نخبة المدينة أساسا - وعادة في بيوت خاصة يحتفظون بها لصديقاتهم . وقد احتفظ عدد من أبناء العائلات الأرستقراطية المقدسية - بمن فيهم آل الحسيني والنشاشيبي - بشقق خاصة لصديقاتهم في ضواحي المدينة الجديدة ، وكثيرات منهن يونانيات وأرمنيات ويهوديات . وتشير مذكرات جوهرية إلى كثير من وقائع المناسبات الاحتفالية التي أمضاها بصحبة أبناء النخب الاجتماعية وصديقاتهم ، برفقة مطربين مسلمين ومسيحيين ويهود . هناك سمة أخرى للحياة الثقافية في القدس العثمانية يرد ذكرها هنا وهي " الأوضة " - الشبيهة بشقة العازب في فرنسا . وكان من عادة الرجال العزاب من أبناء الطبقة الغنية في البلدة القديمة أن يستأجروا شقة مفروشة ذات غرفة واحدة ، حيث كانوا يمضون مساءهم يلعبون الورق ويدخنون ويشربون ، وفي ليالي الشتاء الطويلة ، يحيون جلسات عود . ويسجّل جوهرية عددا من " الأوض " المعروفة جيدا في البلدة القديمة والشيخ جراح ، حيث كان يؤدي موسيقاه . ولعدة أعوام ، كان هو نفسه يحمل مفتاح " أوضة " حسين هاشم الواقعة خلف مقبرة ماميلا ، حيث كان يعزف لسيدات روسيات ويونانيات برفقة راغب بك النشاشيبي ( رئيس بلدية القدس لاحقا ) وإسماعيل الحسيني . إن هذه الوقائع تضطرنا إلى إعادة النظر في صورة القدس في بداية القرن ، التي كثيرا ما توسم - زيفا - بأنها مدينة متجهمة ومحافظة وكئيبة من جانب الزوار والمحليين ، على حد سواء ( ويقتطف إدوارد سعيد عن أبيه ، مستذكرا حياته المبكرة في المدينة ، قوله " إن الشيء الوحيد الذي قاله عنها إنها ذكرته بالموت " ) . « 2 » كيف نعلّل هذا التناقض في صورة القدس ؟ علينا أن نتذكر أن القدس كانت مدينة دينية ، لكن ليست مدينة مغالية في تديّنها ؛ الأمر الذي يعني أن موقعها الديني ولّد عددا كثيرا من الصناعات والخدمات التي أقيمت لخدمة قطاع ضخم من الحجاج الزائرين ، لكن سكانها الأصليين لم يكونوا بالضرورة أكثر تدينا من مراكز مدينية في المناطق الجبلية . فعلى سبيل المثال ، كان لكل من نابلس والخليل والناصرة سمعة دينية أكثر تزمتا من القدس . لكنني أعتقد أن التفسير الأقرب لهذه الليبرالية الاجتماعية يكمن في مكان آخر . فرواية جوهرية تأتي من فترة سابقة في تاريخ المدينة ، عندما كانت الفوارق الطبقية والامتيازات الإقطاعية تخلف مناخا معينا ، تشعر الطبقة
--> ( 1 ) يجري المؤلف حسابا بأن هذا هو المعدل السنوي لراتب قاض للفترة نفسها . ( 2 ) أنظر : Edward Said , Out of Place : A Memoir ( New York , 1999 ) , p . 6 .